فخر الدين الرازي

12

النبوات وما يتعلق بها

اثبات نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم : لما اصطفى اللّه نبيا إلى العرب والعالم - هو محمد بن عبد اللّه من ولد إسماعيل بن إبراهيم النبي عليهم السلام - أيده بالقرآن الكريم معجزة لقومه وللعالم ، والقرآن معجزة له : لأن محمدا صلى اللّه عليه وسلم لم يتعلم القراءة ولا الكتابة ، ولم يذهب إلى مدرسة ولم يختلف إلى معلم . وقومه مثله ليس عندهم مدارس للعلم وكونه أميا غير قارئ ولا كاتب ولا دارس ، وينطق بكلام فصيح له معنى : يدل على العجب . وبالكلام الفصيح الدال على معاني لا ينكر حقيقتها عارف بها ، صار محمد صلى اللّه عليه وسلم بهذا الكلام متميزا على غيره ، ولو أن الناس أخذوا بأسباب العلم ، وأرادوا أن يبطلوا تميز النبي عليهم ، فإنهم لن يقدروا على ذلك . وعدم قدرتهم مع علمهم بأمية النبي دليل على أن النبي مؤيد من اللّه القادر على كل شيء ، فيؤمن الناس باللّه عز وجل إلها ، ويؤمن الناس بمحمد صلى اللّه عليه وسلم نبيا لهذا الإله . ولأن الناس قد الفوا المعجزات المبصرة الحسية ، طلبوا من محمد صلى اللّه عليه وسلم معجزات مبصرة حسية . فرد اللّه تعالى بقوله : « وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ . وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها ، وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً » [ الاسراء 59 ] ومعنى الكلام : أن اللّه تعالى قادر على تأييد نبيه محمدا صلى اللّه عليه وسلم بالمعجزات المبصرة الحسية ، كما أيد صالحا عليه السلام . ولكن لأن المعجزات المبصرة الحسية لم تكن صارفة للناس عن الكفر ، منع اللّه أن يؤيد بها محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، وأعطى بدلها « اعجازا القرآن الكريم » وهذا المعنى يدل على أن آية « وَما مَنَعَنا » : محكمة - وهي محكمة - لأن معناها يدل على النفي حقيقة ، ولا وجه معه للمجاز . ومثلها قوله تعالى : « وَقالُوا : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ . قُلْ : إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ . أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ : أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ » [ العنكبوت 49 - 50 ] « 1 » * * *

--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي في سورة القمر .